عمر فروخ

76

تاريخ الأدب العربي

وذبّ عن أحسابهم وإشادة بذكرهم ، وكانوا لا يهنّئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ فيهم أو فرس تنتج . . . » وقال الجاحظ : « والخطباء كثيرون ، في الجاهلية ، والشعراء أكثر منهم . ومن يجمع الشعر والخطابة قليل » « 1 » . ولقد « كان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب ، وهم اليه أحوج لردّه مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيّامهم . فلمّا كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر » « 2 » . وجاء الجاحظ أيضا بتفصيل أوفى في هذا الموضوع فقال : « 3 » « كان الشاعر في الجاهلية يقدّم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ويفخّم شأنهم ويهوّل على عدوّهم ومن غزاهم ، ويهيّب من فرسانهم ويخوّف من كثرة عددهم ، فيهابهم شاعر غيرهم ويراقبه شاعرهم . فلمّا كثر الشعر والشعراء ، واتّخذ ( الشعراء ) الشعر مكسبة ، ورحلوا به إلى السوقة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر » . خصائص الشعر الجاهلي كانت البادية بيئة الشعر الجاهلي ، ولذلك كان الشعر مرآة للحياة البدوية ، يدور حول الجمل والطلل . ومع أنه قد نبغ في المدن شعراء ، فان فحول الشعر كلهم كانوا من أهل الوبر ( سكان الخيام : البدو ) ، ولم يعترف الجاهليون ولا علماء الشعر المسلمون بتقدم شاعر قروي ( مدني ) على شعراء البادية . وعلى هذا ينتظر أن نرى خصائص الشعر الجاهلي تدور حول البادية وما فيها إلا قليلا من ألوان الحضر التي عرضت في شعر شعراء ذهبوا إلى بلاطات فارس والعراق والشام كالأعشى والنابغة مثلا . فمن تلك الخصائص : أولا - الخصائص المعنوية ( أ ) الصدق : الصدق في الشعر ان يعبر الشاعر عما يشعر به حقيقة مما

--> ( 1 ) البيان والتبيين 1 : 45 . ( 2 ) البيان والتبيين 4 : 83 . ( 3 ) البيان والتبيين 1 : 241 ؛ راجع العمدة 1 : 66 .